القسم الاول : انطلاق الثورة : تونس / مصر





تونــــس


     1-  الثورة التونسية بالكاد بدأت.. سقوط بن على هو اول ثمار الثوره،  اول انتصاراتها،  وليس آخرها.. ناهيك عن ان يكون نهاية الثورة ذاتها..  الاوغاد والاغبياء وقصيرى النظر (الى درجة الخيانه)  اللى اتكلموا فى الفضائيات عن "تونس بعد العاصفة"  و"تونس اليوم التالى" يتجاهلوا الحقيقة، وبيضللوا الناس حول الحقيقة: الحقيقة ان العاصفة الثورية لسه قدامنا، تونس هتخوض غمار العاصفة على مدى الاسابيع الجاية، واجبنا جميعا التعلم منها ومساندتها والوقوف جانبها..
     فيه مجموعة كتاب حثاله عندنا اتكلموا -كالعادة وتبعا لحدود مخهم الضيقة ومصالحهم الطبقية الضيقة- عن الجنس والعلاقات الجنسية وصفقات "الفساد"  فى محيط الفئة الحاكمة فى تونس.. الكتاب دول الوجه المنحط للوجه الاخر "المحترم"  للكتاب المتحذلقين اللى انهمكوا فى مسألة دستورية تفويض بن على لصلاحياته، او تشكيل الوزاره او مين نزيه اكتر ومين لا تشوبه شائبه اكتر من رجال الحكم فى تونس حاليا.. الخ..
     دول كلهم أفاقين غرضهم تضليل الشعب التونسى عن مهامه وواجباته الثورية..
     2  -  الثورة ماهياش مجموعة دبابات تتوجه الى محطة اذاعة.. الثوره هيه اللى بتحصل فى تونس دلوقت.. حتى 23 يوليو عندنا كان مجرد لحظة التفجير الثورى.. تداعيات 23 يوليو استمرت على مدى شهور وسنين وتواصلت مع احداث عمقت مجرى الثورة ومكتسبات الثوره- بالذات تأميم القناة وقرارات يوليو..
     الثوره بتنبسط امامنا فى تونس.. بتتمدد.. بتعى ذاتها.. لكن فيصل الامور هو: الاستيلاء على السلطة.. وادراك واستيعاب ان كل اللغو حول الديمقراطية والبرلمان وحرية الاحزاب والصحافة والاجتماعات و.. كل ده مجرد مرحلة وسيطة، مجرد ادوات مؤقتة للخداع من جانب البورجوازية اللى فقدت توازنها بالهبه الشعبية المفاجئة.. الطريق اللى انفتح الان فى تونس مش هيؤدى الا الى حاجة من اثنين: اما سيطرة الشغيلة والكادحين على السلطة فى تونس، ومصادره البورجوازية اقتصاديا وسياسيا والاطاحة بسلطتها الاقتصادية والسياسية تماما.. واما الى دكتاتورية بورجوازية تتضاءل الى جوارها دكتاتورية زين العابدين بن على،  دكتاتورية تمر عبر مذبحة من اجل اعاده الـ "نظام"..
     تونس بدأت ما يشابه من نواحى كثيره "فبراير" روسيا سنه 1917.. حماية مكتسبات الثورة، حماية الثورة ذاتها تتطلب تحقيق "اكتوبر" تونسى هذه المرة..
     الثورة ما انتهتش.. الثورة ابتدأت.. الطريق هيقود اما الى نجاح الثورة التام، او الى ثوره مضاده كاسحة..
     عجز الشغيلة فى ايران سنوات 78/1979 عن الاستيلاء على السلطة "المعلقة فى الهواء" ادى الى سيطرة اليمين الرجعى متمثلا فى الخومينى وزمرته و "سرقة" آيات الله اللثورة.. عجز الانتفاضة المصرية فى يناير 1977 عن الاستيلاء على السلطة  ادى الى معانقة السادات لليمين الرجعى الاسرائيلى فى نوفمبر 1977 بعد عشرة اشهر بالضبط..
     اذا الثورة التونسية تراجعت الان، اذا سمح لها قادتها / اذا سمحنا احنا لها بانها تخضع لاضاليل رخيصة من نوعية انتظار الفرج وراء هذا الرئيس او ذاك، هذا الوزير او ذاك، هذا البرلمان، هذه الاصلاحات.. الخ -كل ده معناه تخريب الثوره والقضاء عليها وتمهيد الطريق امام فاشية تسحق الثورة والعمال والكادحين والشعب التونسى كله..
     3  -  احنا عاملين كلنا زى ناس مربوطين سوا فى سلسله واحده، وغرقنا جميعا فى بحر عميق غويط (ومع ذلك لسه احياء وماموتناش).. لكن بشكل ما وصلنا القرار ولمسنا قعر المحيط.. الشعب التونسى نفض نفسه وضرب جسمه بقوه فى القاع لحد ما دفع نفسه بقوه مدهشة لانه يشب فوق السطح من جديد.. دورنا احنا بقى اننا -حتى واحنا غطسانين لسه-  اننا نساعده،  نقف وراه، نقويه، نرفعه لفوق، لحد ما يشبط فى حاجة، يمسك فى حاجة، وساعتها هيجرنا كلنا وراه..
     واذا كنا مش قادرين ندفعه لقدام،  مانشدوش لتحت، ونقف ضد اللى يحاول يشده لتحت..
     دورنا الان هوه التعلم من الشعب اللى بيعى ذاته وبيتلمس اهدافه.. دورنا الان هوه التدخل فى سبيل حماية الثورة من الرجعية فى الداخل والخارج، وده عن طريق اشاعة الوعى عند جميع الناس باهمية الحاصل فى تونس الان، والمهمات اللازمة فى تونس الان..
     فيه مجموعة متخلفين عندنما تصوروا انهم اذكياء للغاية وفضلوا يتكلموا عن تكرار السيناريو التونسى فى مصر وازاى ده ما يحصلش، والتنفيس عن الناس  و"تحكيم العقل" وكل الكلام الفارغ اللى اتقال فى فضائياتنا وجرايدنا.. لكن المتخلفين لازم يعرفوا ان ما فيش تجربة بتتنقل بالمسطرة او بالاستنساخ وان الـ "عدوى" التونسية زى ما بعضهم اسماها مش عدوى، لان التاريخ مختبر تجارب مش مصحه امراض نفسية او عضوية..
     دورنا مش السفسطة وانشاء مقارنات شكلية نتمسح فيها بالنظام او نلمع نفسنا باننا نبان معارضين وبننصح النظام.. دورنا هوه مسانده الثوره التونسية ذاتها.. لما الثورة فى تونس تنتصر، ديالكتيك الاوضاع نفسه فى تونس او خارجها هيحدد مساره وهيحدد افكارنا وتصرفاتنا وقتها..
     المهم الان، قبل كل شئ، العمل من اجل ضمانه انتصار الثوره التونسية على اكمل وجه.. وده يبدأ باننا نفهم كنه الثورة، طبيعتها، اهدافها، الاجراءات الواجب عملها الان، دلوقت..



مصر


(هذا القسم غير كامل بعد)



من تونس الى 25 يناير
بعد 25 يناير
الخطاب الثانى للرئيس ( مساء الثلاثاء 1 فبراير )  والهجوم على المتظاهرين  ( عصر الأربعاء 2 فبراير)
الخطاب الثالث والأخير




    من تونس الى 25 يناير


================================================================


بعد 25 يناير
(    )

اى وضع سياسى فى الدنيا بيكون فيه ناس بتستفيد منه،  وناس عاوزه تستفيد منه.. الناس اللى عاوزه تستفيد منه دى يا اما تستفيد بانها تدخل فيه وتعمل فى ركابه واما انها تستفيد -بالعكس- من نقاط ضعفه (اللى صنعها هوه او صنعتها الظروف او صنعها اطراف تانيه) عشان تخرج عليه وتطيح به وتؤسس لنظامها الخاص بها..
دى الف باء السياسة..
     وبالتالى فان النظام لما يتهم الاخوان المسلمين بانهم ورا الاحداث فى 25 يناير.. او لما عدد من المفكرين ابدى خشيته من ان الاخوان المسلمين يحاولوا يستغلوا الوضع اللى حصل فى 25 يناير ويركبوا الموجه (بعد ما كانوا احجموا بداية عن المشاركة فيها).. او لما بعض الكتاب والمعلقين يستنكر اعطاء الاخوان كل هذه الاهمية والزعم بان لهم يد فى احداث 25 يناير وينفى عن التظاهرات ارتباطها بيهم..
كل ده.. كل ده،بيلزمنا باننا نحدد موقف واضح..
والموقف الواضح محتاج وعى محدد..
ان الاخوان او غيرهم يحاولوا استغلال الوضع.. ده وارد.. بل وطبيعى..
     المهم احنا عاوزين ايه،وايه موقفنا سواء من الاخوان او غير الاخوان..
     و"احنا"دى نفسها محتاجة توضيح.. احنا مين.. احنا الشعب؟!
     الشعب ده مكون من مين.. ده السؤال اللى للاسف ماحدش لحد النهاردة حاول يقرب له..
     "الثورة"او"الانفاضه"او التظاهرات دى عملها شباب.. طيب،باى معنى؟!
     الشباب ماهماش طبقة فى المجتمع.. الشباب رائد ونذير (فى احسن الحالات) لطبقة.. الطبقة دى اللى هيه مين؟!
     لو الطبقة العاملة مادخلتش المشهد السياسى الراهن،كل السخط ده ممكن مايوديش لاى نتيجة،وهيتبخر.. وقتها بس ممكن الاخوان يركبوا الموجة فعلا..
     ليه؟! مش لان الاخوان مجرد ناس ظلاميين ودماغهم مقفولة (زى ما بنحب نصور دايما،وزى ما هوه صحيح لكن مش كفاية فى الوصف والتعبير) وانما لان الاخوان بيجسد وا وبيعبروا عن اقصى اليمين فى الحياة السياسية المصرية.. اذا"الثورة"او"الانتفاضة"او التظاهرات -بمعنى ادق- بكل زخمها ما اديتش لنتيجة ايجابية،اليمين المصرى ممكن يحسم اللعبة باللجوء للاخوان.. ساعتها الاخوان مش هيحتاجوا يركبوا الموجه.. موجه وبحر اليمين الرجعى فى مصر هوه بنفسه اللى هيستدعيهم.. بالضبط زى ما هندنبرج هوه اللى استدعى هتلر عشان يكلفه بالمستشارية..
     وبالتالى المشكلة دلوقت مش ان الاخوان عاوزين يركبوا الموجه،او هيركبوا الموجه.. المشكلة الموجه دى رايحه على فين.. وده مرتبط بالجماهير واهدافها وهيه عاوزه ايه بالضبط..
     دا السؤال المركزى النهارده..
(26 يناير 2011)



(   )

الطرف الرئيسى فى كل اللى بيحصل فى مصر حاليا هوه الشعب.. كل الاطراف الاخرى  (سواء النظام والرئيس مبارك،او الامريكان،او غيرهم) بتحدد مواقفها بناءا على مواقفة.. لذلك من اكبر الخطأ السلوك السائد الان لدى غالبية- ان لم يكن كل الناس..
     كل الناس تقريبا الان معلقة كل شئ على مسألة هل الرئيس مبارك هيفضل ام هيمشى.. والتظاهرات بتطالبه بانه يرحل وكتير بيسألوا"هوه قاعد ليه بعد كل اللى حصل".. الخ.
     كل ده غلط.. ليه؟!  لانه ببساطة بيسلم زمام المبادره اللى فى ايد الشعب الى طرف آخر وبينتظر تصرف طرف آخر (طرف آخر ماعدش طرف رئيسى زى ما ظاهر كلامنا بيوحى- وعشان كلامنا يبقى محدد اكثر: طرف يملك صلاحيات وسلطات هائلة لكنها جميعا فى اللحظة الراهنة معطلة ومشلولة لذلك زمام المبادره فى اللحظة دى مش فى ايده)..
     نفس الغلطة بنرتكبها لما نقعد نحلل كلمة قالها اى مسئول امريكى عن النظام واللى بيحصل فى مصر.. الامريكان برضه ما عادوش طرف رئيسى (فى اللحظة دى- اللى ممكن للاسف تعبر بسرعة لو ما اتحركناش بسرعة)  فى تقرير الامور..
     ولا حتى الجيش.. والغريب ان ده شئ واضح،كل الكلام كان عن ان الجيش بيحفظ الامن وبس،ومعنى الامن هنا بقى محدد الى حد كبير بتعقب المجرمين الفارين من السجون.. الخ. ايا ما كان الدور اللى ممكن الجيش يلعبه (سواء مع النظام او ضده)  فانه فى اللحظة الراهنة مش محرك رئيسى للاحداث..
     الشعب وحده الان هوه صاحب الكلمة.. مش بس بمعنى انه بيتظاهر وبيرفع لافتات تعبر عن رأيه.. الاهم انه صاحب الكلمة فى شأن تحديد مستقبل مصر.. ودى النقطةالغايبة فيما يبدو عن الكل،بما فيهم الشعب نفسه..
     معناها ايه ان الشعب اللى سيطر بالفعل على حركة الاحداث وفرض على الكل بالفعل انهم يدخلوه فى حساباتهم بل  ويبنوا حساباتهم دى على مواقفة وتحركاته.. معناها ايه انه بعد كده يستنى مجرد ان الرئيس يقرر يرحل،او ان الامريكان يتخلوا عن الرئيس..
     المطلوب الان،ببساطة،وجود قياده على رأس الشعب.. قياده من داخل الشعب المتظاهر ده،من داخل شعبنا،وتعبر عنه..
     الناس اللى محتشده دى يجب تنتخب مجالس تعبر عنها.. صوت سياسى لها يمارس دوره وسط الاحداث ويمثلها فى مواجهة الكل (النظام والخارج)..
     خطأ قاتل اننا نتصور ان كل اللى اتعمل ده مجرد"حافز"لاطراف ثانيه انها تقوم بدور ما لمصلحتنا (سواء دور سلبى مطلوب من مبارك: انه يمشى. او دور ايجابى من اطراف ما لتشكيل حكومة انتقالية)..
     الغريب برضه ان الصوره واضحة.. حتى الشباب المتظاهر نفسه بيقولوا ان دى ثوره الشعب المصرى مش اى حزب او طرف سياسى وان مالهمش انتماء سياسى وانهم مش اخوان ولا غيره وانهم بيعبروا عن مصر كلها.. الخ.
     ازاى بعد كده ماتوصلش للنتيجة المنطقية: انك تنتخب قياده منك انت تعبر عنك انت وعن الشعب اللى انت بتعبر عنه..
     التظاهر لعب دور خطير.. واستمرار التظاهر رغم حظر التجول ورغم تمديد حظر التجول (من 6 المغرب الى 8 الصبح يوم 28 يناير،ومن 4 العصر الى 8 الصبح يوم 29،ومن 3  العصر الى 8  الصبح يوم 31)  برضه شئ خطير.. واستمرار التظاهر رغم اقاله الحكومة وتعيين نائب للرئيس شئ خطير.. الخ.
     لكن وجود قياده على رأس المتظاهرين،منتخبه منهم هما.. هوه ده اللى هيحسم كثير من المواقف المعلقة..
     التظاهر عنصر هائل.. لكن مش عشان تدفع غيرك للتحرك،وانما عشان تعتلى انت صهوه الموقف وتصبح اللاعب الرئيسى بشكل رسمى زى ما انت بالفعل دلوقت اللاعب الرئيسى بشكل واقعى.  
(31  يناير 2011)

================================================================



الخطاب الثانى للرئيس (مساء الثلاثاء 1 فبراير)  والهجوم على المتظاهرين
  (عصر الأربعاء 2 فبراير)

1 )
     دلوقت بعد ما مبارك أعلن عدم عزمه على ترشيح نفسه لمدة رئاسية جديدة ,  حركة التظاهرات قدامها حاجة من اثنين :  أما الاكتفاء بـ "العهد الرئاسى"  وأما الاستمرار فى التظاهر بغرض تنحى الرئيس الان..
     اذا انفضوا عن الشوارع على امل وتصديق بان الرئيس مش هيترشح تانى وانه هيقضى الشهور الأخيرة دى فى كفالة شروط الانتقال المنظم السلس للسلطة.. وارد جدا يحصل تغيير فى المواقف، او خدعه، أو إجهاض للأمور.. الاهم ان الانجاز الكبير،  المكسب الكبير هيفلت من ايديهم.. سقوط مبارك بفعل تصرفهم ومبادرتهم هيحدث هزه وشرخ فى اجمالى بنيه العلاقات الاقليمية والدولية -  وقبل كل ده : النفسية.. من هنا وجاى الجماهير هتشعر بقوتها ودورها الفاعل،  اما لو تم الاكتفاء بتعهد مبارك فان الانجاز والمكسب هيتم تأجيلهم وهيكونوا لو تحققوا بفعل رغبه ورضا الطرف التانى (اللى مش عاوز يقر بشرعية المظاهرات او معناها حتى فى خطاب التنازل عن الترشيح ذاك).
     طيب.. الاستمرار فى التظاهر،  ممكن يحقق الغرض فى وقت وجيز،  وممكن فى وقت اطول.. فى وقت وجيز اذا كان ضغط الشارع ولد استعداد حقيقى سواء لدى الامريكان او الجيش او الشرائح العليا فى مواقع قياده البلاد للتخلى عن مبارك,  وبالتالى فان استمرار الحال على ما هو عليه بالتظاهر رغم اعلان مبارك عدم استعداده للترشح من جديد كفيل باحراقه تماما فى اعين كل الاطراف دى وتركه يسقط .
     ممكن الوقت يبقى اطول.. وده اذا كان لسه فيه رهان على مبارك من قبل الامريكان ولو لفترة الشهور القادمة فقط لحد ما سائر المواقف تتضح،  او اذا كان لسه فيه خوف وعدم رغبه فى حسم المواقف من قبل أطراف النظام المصرى من حول مبارك..
     لكن الاهم فى شأن خيار الاستمرار فى التظاهر مش الوقت اللى ممكن يحقق فيه هدفه ومراده (اسقاط الرئيس)  وانما فى القرار نفسه.. لان قرار زى ده بعد اعلان الرئيس نيته لعدم الترشح،  بيتطلب رؤية سياسية واستعداد نضالى اكبر.. وده يعيد طرح مسألة القيادة من جديد بحده شديدة جدا..
     ممكن يكون فيه استعداد نضالى مبعثه الحماسة والدفع الثورى اللى سببه الموقف وتلاحم الجماهير والمكاسب اللى حققتها بالرضوخ التدريجى البطئ للطرف الاخر.. لكن حتى الحماسة دى محتاجة رؤية سياسية،  ابعد بكتير من شخص الرئيس..
     القيادة هيه فيصل الامور.. والا فان سقوط مبارك هيؤدى الى تنفيس البخار واجهاض الحركة.. القيادة هيه اللى هتكفل ان الشعب يظل له دور ومشارك فى الاحداث.. الشعب طرح نفسه ابتداءا صحيح،  بعفوية رائعة صحيح،  لكن كل ده بدون قياده معرض للضياع او للالتفاف حوله..
     والقيادة المقصودة من جانبى،  مش قيادة اشباح المعارضة القديمة اللى ماكانش ليهم اى دور فى الاحداث، ولا اليمين الرجعى طبعا، ولا الناس اللى فضلوا لاخر لحظة يقولوا كلام غامض ملتبس بغيه تأمين النفس فى حال تقلب الظروف (زى عمرو موسى  مثلا)..
     القيادة اللى اقصدها هيه قيادة الشعب،  قيادة من الشعب.. قيادة تفرزها الاحداث.. قيادة تعبر عن الحركة وتتحدث باسمها..
     النهاردة بعد اكثر من اسبوع على بدء التظاهرات، ما فيش طرف بيتحدث باسم الجماهير،من الجماهير ذاتها.. والكلام حول البرادعى او فلان او علان من الوجوه القديمة،  امر مقلق..  زى ما هوه مقلق الكلام حول أطراف"نزيهة" من الحزب الوطنى او عناصر عسكرية من الجيش.. زى ما هوه مقلق -   ربما باكثر -   الكلام حول دور الاخوان..
     كل ده بيهدد باجهاض الحركة ونسف مكاسب الشعب..
     ربما دفع الامور الان، بعد خطاب مبارك الاخير، والمطالبة برحيله والاصرار عليه،  هيؤدى الى بلورة المواقف اكثر.. سواء مواقف اطراف النظام او الامريكان او..
     لكن الاهم ان لو ده حصل،  يؤدى الى بلوره موقف المتظاهرين انفسهم،  والمساهمة عبر تجذير المواقف،فى إبراز قياده من صفوفهم..
     لو ما فيش قياده النهارده،  ممكن كتير يعتبروا ان قرار مبارك بعدم الترشح كفاية.. لو فيه قياده، الأمور هتندفع للأمام..
     لكن وارد برضه ان الامور تندفع للامام بفعل حماسه وسخونة الموقف و اللحظة رغم عدم وجود قياده محددة..
     مبارك اصبح امره شبه محسوم.. لكن نظام مبارك،  وحركة الجماهير،مواقفهم الاثنين مش محسومة لسه.. وده وجه الخطر..
     القيادة،  والوعى،  أساسيين لحل هذا الموقف الملتبس..
(صباح 2  فبراير 2011)
                  


(2)

     اتصور ان النظام المصرى اقدم بنفسه،  تطوعا منه،  الى حل ازمة كانت ابتدت تلقى بظلالها على حركة المظاهرات..
     بعملية القمع البربرى اللى تبناها وقام بها زبانيتة فى ميدان التحرير ضد المتظاهرين العزل،  النظام حسم اشياء كثيره ورفع مستوى المواجهة الى درجة اعلى.. ومن ثم امكان الخروج من الازمة فعلا..
     فى صباح اليوم (2 فبراير)  كانت تأثيرات خطاب الرئيس مساء  1 فبراير محسوسة.. ناس كتير تصورت ان"خلاص"و"اللى كانوا بيتظاهروا عشانه تحقق فعلا"  و"الراجل قال اهوه انه ماشى"  وان الاصرار على مطلب تنحية الان وفورا نوع من"قلة الادب"..
     خطاب الرئيس ده بالفعل كان ممكن يوقع بلبله كبيره فى صفوف ناس كتير من المتظاهرين او غيرهم،  الا اذا توافرت بصيره ورؤية نظرية وسياسية عالية..
     كان اسهل شئ يتقال"نفضها سيرة" وان المكاسب اتحققت بالفعل و"الراجل ماهوش عيل صغير،  دا رئيس جمهورية"  وان تصريحه بعدم استعداده للترشيح من جديد كفيل بقطع الامر..
     انا كنت فى ميدان التحرير فى الصباح ولمست اشياء مقلقة.. انحسار التيار الواحد الجامع اللى كان سائد فى الايام السابقة.. ظهور وشيوع الحلقات والنقاشات بين اطراف مع او ضد (حتى وان كان مؤيدى الرئيس او المنادين بالاستقرار يتهمون بانهم مندسين او من الحزب الوطنى).. ظهور اصحاب اللحى والمنقبات والهتافات او الشعارات والخطب (على منصة وميكروفون وسماعات)  ذات النبرة الدينية،  بشكل لافت للنظر ومغاير للايام السابقة..
     كلمت اكثر من طرف وعبرت عن خشيتى من ان التيار العام بيتفتت أو بيتشقق وان مبارك قد يكون احدث اجهاض ما للامر فى مجمله.. وان الحركة ممكن تفقد زخمها بعد كده..
     عند العصر بدأ الهجوم.. ودا كان كفيل بازاحة الاوهام حول النظام  -  من ناحية..
     من ناحية تانية كشف الخطورة الدامية لعدم وجود قيادة..
     من ناحية تالتة عرى اكثر واكثر قيادات المعارضة المزعومة.. وكان لافت للنظر قول بعض الشباب اللى تم الاتصال بهم عبر الفضائيات العربية،  ان المعارضة دى وقادتها اللى قبلوا الحوار مع عمر سليمان،  اعلنوا كده دون العودة اليهم او استشارتهم،و انهم بيجوا الميدان ساعة او اتنين وبعدين بينصرفوا الى مكاتبهم المكيفة..
     قيادات المعارضة المزعومة دى لم تجد سوى الاستمرار فى التوسل الى الجيش انه يحمى المتظاهرين او الدعوات الخايبة لكل المصريين انهم ينزلوا ميدان التحرير عشان يدافعوا عن المتظاهرين.. الخ -  دون اى فعل قيادى او قدره على التعبئة والحشد و الالهام..

     هجوم النظام رغم وحشيته،  ومأساويته،  كفيل ببلورة كل الامور ودفعها الى الحافة..
     الجيش كان شاهد على الامر ولم يتدخل.. المعتدين دخلوا من امامه ومارسوا اجرامهم ولم يفعل شئ لمنعهم فى الدخول او ايقافهم..
     جرى الكلام بعد كده عن ان توريط الجيش،  وصب النار بينه وبين المتظاهرين وافتعال صدام بينهم كان امر مطلوب.. او ان اطراف الجيش فى الميدان ماتقدرش تتصرف الا لما تأخذ اوامر.. او ان القيادة العسكرية مش بالضرورة على علم بما حدث او النية المتجهه له،  وانها فؤجئت بما جرى.. الخ .
     لكن ما جرى  - اكيد -   هيدفع  الجيش الى تحديد موقف اكثر وضوحا..
     والامريكان – ايضا -  اضطروا لتحديد موقف اكثر وضوحا.. وابتدوا يتكلموا عن نقل السلطة"الان"  وشددوا على"الان"وكلينتون اتصلت بعمر سليمان (مش بالرئيس مبارك)  وطالبت باجراء تحقيق.. الخ .
     المتظاهرين صمموا من ناحيتهم على"جمعه الرحيل"  زى ما اسموها واتقال انهم بيدرسوا فكره التوجه الى القصر الجمهورى..
     اذن.. الامور كلها اندفعت الى الحافة بفعل التصرف الاخرق من جانب النظام.. الاهم ان ده اكيد هيبلور وعى الشباب المتظاهر والمعتصم فى الميدان .
     الاهمية الكبيرة مش بس فى بلوره الاحداث بما يسمح باتمام حلها،  وانما فى بلورة الوعى وتجذيره.. دا اهم شئ عملته الهجمة الغاشمة للنظام رغم كل وجوه الوحشية والحقارة فيها..
(2 فبراير مساءا)



(3)

     انا باتصور ان حسنى مبارك ضيع فرصه عمر هائله بالنسبة له للافلات من الموقف وانهاؤه -لو مؤقتا-  لصالحه.. لو كان صبر على خطابه مساء يوم 1   فبراير لحد ما يؤتى أكله ويحدث مفاعيله وتأثيراته،  كان ممكن -باكرر ولو مؤقتا- انه يتخلص من عبء اللحظة الراهنة نسبيا..
     رغم انه اوضح ان التظاهرات استغلتها اطراف غرضها صب الزيت على النار وما ابداش اى تفهم لاسبابها او استعداد لملاقاتها فى المنتصف،  لكن كلامه عن عدم الترشح وان مصر وطنه اللى تربى فيه ودافع عنه وانه هيموت فيها.. الخ -   كل ده مس وتر عند ناس كتير..
     الشعب عندنا عاطفى،  تأثر بكلام الرئيس.. والشعب عندنا،  وفى سوابق تاريخية كثيرة،  قصير النفس،  ممكن يتفرق بسرعة بعد ما يتجمع على  هدف واحد عن تصور ان الهدف ده تحقق بالفعل او اول ما يبان ولو بالظن او الاحتمال ان الهدف ده تحقق..
     من ليلة 1/2 فبراير حتى عصر2   فبراير (  لما بدأ الهجوم على المتظاهرين فى الميدان بمعرفة رجال النظام)  كان ناس كتير مستعدين يعبروا عن السخط والضيق بالمتظاهرين،  وحتى بما سمى اللجان الشعبية اللى بتنظم المرور وتحمى البيوت،واتقال فى شأن ده كله"خلاص بقى"  و"الحكاية بوخت"وان كل شئ انتهى..
     انا مش عارف مين اللى خد القرار بالهجوم،  لكن بالتأكيد قرار فى منتهى الرعونة،  وبيتعامل مع الاحداث دون اى خلفية سياسية ولا حتى ذره ذكاء..
     مصطفى الفقى اتهم صراحة وزير الداخلية الجديد بأنه ورا الاحداث (وكتير قالوا انه لو ماكانش متورط  فانه على الاقل مقصر)  وذكر انه من مدرسه زكى بدر،  وانه يعرف اسلوبه..
     هذا الاسلوب غير السياسى،  غير الحصيف بالمرة،  ادى الى نسف النتائج اللى كان ممكن تتحقق عبر خطاب الرئيس..
     لا يمكن الان معرفة او التأكد من ذلك،  لكن لو كان الخطاب ده ترك ياخد مساره،  والاعلام ركز على الجانب الانسانى العاطفى فيه،  كان ممكن تفويت الفرصة على المتظاهرين،  وربما كانت التظاهرات ابتدأت تاخد منحنى هابط،  بعد الصعود المتواصل على مدى الاسبوع الاول..
     لما بدأ الهجوم كان ازلام النظام فى التلفزيونات (عبد الله كمال، نبيل لوقا بباوى،غيرهم..)  بيتكلموا عن هبه عفوية من الشعب اللى ثار دفاعا عن كرامة رئيسة،  والد كل المصريين.. و احد المسئولين قال ان الجمال والأحصنة  اللى تم استخدامها فى الهجوم هيه بتاعه الناس المتضررة من توقف السياحة فى نطاق الهرم وجم  يعبروا عن غضبهم من قطع مصدر رزقهم بوسائل الرزق دى (!!).. الخ .
     على العموم الكلام اللى التلفزيون المصرى والقنوات الخاصة المصرية وأتباع النظام قالوه محتاج توثيق بالفعل.. عشان فى المستقبل يبقى سجل كل واحد كامل..
     لكن المهم،  ان الفرصة ضاعت.. الفرصة اللى كان ممكن النظام لو تحلى وادواته الامنية/ الاعلامية بذره ذكاء يستغلها بل ويهتبلها فى سبيل السيطرة -  بنكرر للمرة الثالثة: ولو مؤقتا - على الوضع..
(3 فبراير 2011)

================================================================

  الخطاب الثالث والأخير

 ( 1 )

     اذا كان صحيحا ان مبارك هيتنحى الليلة،  فده تطور هائل فى الموقف.. لكن هذا التطور له سببين: السبب الاول بدء دخول فئات اوسع ارض المعركة :  بعض عمال السكة الحديد،  بعض عمال مكاتب البريد والنقل العام ومترو الانفاق،  عمال عدد من المصانع اللى اعلنوا بدء اضراب مفتوح،  موظفى عدد من الجهات الحكومية اللى اعتصموا او اضربوا وتظاهروا او انضموا للمتظاهرين فى التحرير..
     كل ده شكل نقله نوعية فى مسار المتظاهرات..
     السبب الثانى ان حركة التظاهرات تمددت مكانيا -  فى خصوص القاهرة -  من ميدان التحرير الى مجلس الوزراء ومجلس الشعب وحاصرتهم واجبرت الوزارة على النزوح بعيدا وعقد اجتماعاتها فى مدينة نصر..
     الامرين دول (  توسع المظاهرات فئويا ومكانيا على هذا النحو)  تم فى زمن وجيز جدا (ايام 8، 9، 10  فبراير)..
     فى الايام دى وبالموازاه مع ذلك ابو الغيط صرح وقال ان الشباب مغامرين وان الجيش هيتدخل ضدهم دفاعا عن الدستور،  وناس تساءلت الجيش هيعمل ايه لوحاول الشباب يدخل مجلس الشعب او الوزراء،  وساد كلام فى الفضائيات واخبار عن وقوع خلاف بين عمر سليمان ورئيس اركان الجيش حول طريقة التعامل مع المتظاهرين (دون تفاصيل محددة فى شأن معنى ذلك او تفاصيل المواقف)..
     يوم 10 (النهارده) حصل التطور اللافت :  مسئول عسكرى يقول للمتظاهرين ان فيه اخبار ساره هيسمعوها الليلة،  الجيش بينعقد بشكل مستمر (المجلس الاعلى للقوات المسلحة)  ويصدر ما اسماه البيان رقم 1 (مسمى شهير فى تاريخ الانقلابات العسكرية)  يتكلم فيه عن الحفاظ على الوطن بشكل عام ويعبر عن تفهمه لمطالب الناس.. وبعد كده وقبل كده كلام عن احتمالات تنحى مبارك "الليلة" صادر عن مدير المخابرات الامريكية.. الى آخره.

     اذا ده حصل فعلا (  انا باكتب هذه السطور قبل خطاب مبارك،  والغريب انى كنت فى التحرير لحد الساعة اربعة ونصف عصرا وانصرفت من غير ما يكون فيه حاجة حصلت.. بعد ماروحت اتصل بيا صديق وقال لى :  سمعت الاخبار).. اذا ده حصل فعلا هيكون ده تطور هائل فى الموقف زى ما ذكرت فى البداية.. لكن مع ذلك :-
1       -  تطور ادبى محض لان الرئيس مبارك كان انتهى فعلا..
2       -  هذا التطور مش تتويج للثورة وانما هو محاولة لقطع الطريق على تناميها.. الجيش استنى لآخر لحظة،  وبعد ما صار مافيش اى فرصة او امل فى الحفاظ على مبارك او ابقاؤه او التمسك به.. وبعد ما كل شئ اصبح مهدد بالانفجار الكامل , انفجار مش بس هيطيح بمبارك وانما بالنظام كله .
(  انا لاحظت مثلا ان هتاف"الشعب والجيش ايد واحدة"  اللى كان موجود فى البداية اختفى بعد اعتداءات 2 فبراير ودور الجيش السلبى فيها.. واللى لفت نظرى لهذا ان الناس فى الميدان بقت بتردد نص الشعار بس"ايد واحدة /  ايد واحدة"  تعبيرا عن وحدتهم هما مع بعض..
     دى مجرد لقطة صغيره لكن ليها دلالة..
     دور الجيش النهارده هيرجع له شعبيته بالتأكيد،  اللى اتهزت نسبيا , لكن اظن برضه ان الوعى الثورى عند الناس هيكون على حذر،  وهيدرك ان الجيش فى النهاية احد مؤسسات النظام بالفعل..
     بيتقال فى بعض الفضائيات  الان ان بعض الهتافات على الاحداث والاخبار هوه"مدنية / مدنية"  فى اشارة الى رفض الطابع العسكرى للتدخل..
     وده شئ مهم جدا.. الشعب ما تعاملش مع الموقف وكأن الجيش بيمد طوق نجاه له وبيساعده.. الشعب هيفهم وبيفهم ان الجيش بيمد طوق نجاه للنظام.. النظام بدون رأس النظام.. وده لان الحفاظ على رأس النظام صارت مستحيلة،  ولان التأخير و التسويف والمماطلة فى اتخاذ موقف وكسب الوقت صار مستحيل ايضا..).

     قبل 25 يناير بيوم او اتنين احد المثقفين المصريين قال لما سألوه عن المظاهرات المزمع انطلاقها يوم 25  ان المطلوب مش ثوره وانما تغيير.. والنهارده،  بعد الانباء اللى اتذاعت دى وفى انتظار خطاب مبارك،  احد المثقفين المصريين قال برضه ان ظواهر وبدايات العصيان المدنى اللى بدأت دى دفعت الجيش للتحرك وان ما حدش عاوز عصيان ولا حد فينا بيفضل حدوث عصيان و.. وكأن العصيان المدنى ده فى نظره هوه الشر اللى كنا هنقع فيه لا محالة وهوه الفوضى اللى صار معاها لا بديل عن اقصاء مبارك..
     الاتنين دول اللى خايفين من لفظ وفكره ومضمون الثورة او العصيان المدنىمن رموز المعارضة المصرية..
     لذلك الخوف الحقيقى دلوقت من افكار زى دى،  وعقليات زى دى،وناس زى دول..
     زى برضه"لجنة الحكماء"ومن على شاكلتهم اللى وضعوا"كفائتهم"و"خبراتهم"فى خدمة النظام والوصول لحلول وسط.. زى اللى اتكلموا وافتوا واتفلسفوا عن انه لا يمكن ان الرئيس يمشى لان ده بيخلق فراغ دستورى وان لازم -  بحكم الدستور -  هوه اللى يوجه طلب التعديلات لمجلس الشعب -  نائب الرئيس ما يقدرش -  وهوه اللى يعمل ايه فى ايه،  بحيث يبان ان البيضة قبل الفرخة ولا الفرخة قبل البيضة،  وخلينا بقى قاعدين لحل ما تحل المعضلة دى..
     فيه واحد فى لجنة تعديل الدستور (اللى شكلها مبارك فى محاولاته لمواجهة واحتواء المد الشعبى)  جاب م الاخر واتكلم بصراحة،  لانه مش سياسى..
     الراجل قال ببساطة ان الناس بتتصرف وكأن النظام سقط لكن النظام ما سقطش وبالتالى فان دوره هو انقاذ ما يمكن انقاذه..
     ده بالضبط دور الفنيين والمهنيين والتكنوقراط والـ.. الناس اللى بتتصور ان مالهاش علاقة بالسياسة وانهم"كادر" خاص وان لهم رؤية عامة وانهم حكماء وبيحلوا العقد والازمات والمشاكل..
     الناس دول كنستهم الثورة الشعبية ولم تلق بالا حتى الى حذلقتهم اللطيفة وترفعهم البغيض..
     (جايز دى تكون مناسبة وفرصة مهمة لكل الاغبياء عشان يفهموا ان فيصل الامور مش فى مجرد صياغات نظرية مهما كانت حصيفة،  وانما فى حركة الجماهير وحركة الصراعات الطبقية فى المجتمع) .

     اذا مبارك اتنحى،  دا هيكون تطور هائل وعظيم،  ودفعه معنوية جباره للثورة وقوى الثورة.. حتى انى اظن مافيش داعى للخوف والتأكيد بقلق على ان"الثورة لسه ما انتهتش"  لانى  اعتقد فعلا ان تعبئه الشعب مش هتنفك وثورة الشعب تعدت اللحظة والنقطة اللى ممكن ايقافها فيها او ارجاعها للوراء (الثوره ما توقفتش بعد تعيين نائب رئيس،  ولا توقفت بعد اعلان مبارك عدم عزمه على ترشيح نفسه للرئاسة من جديد،  وما توقفتش بعد عودة"الحياة الطبيعية"  لمجراها فى الشوارع.. على العكس بعد تخفيف ساعات حظر التجول وبعد عوده الموظفين للعمل وانتظام المرور نسبيا و.. بعد كل ده الثورة اكتسبت زخم اكبر)..
     والشعب قادر كذلك على وزن وتقدير الـ"مثقفين"و الـ "معارضة"المرتعدة والخائرة وقادر على انه يشق طريقه للامام وانه يفرز مثقفيه الحقيقيين ومعارضته الحقيقية المتحدثة باسمه والمعبرة عن نواياه وتوجهاته واهدافه..
     لذلك ما فيش خوف.. حتى لما اقول"الثورة لسه ما انتهتش"  فانا اعلم انى باقول شئ الكل يعلمه،  ومش باقوله فى مقام التحذير من الغفلة مثلا.. ببساطة لان ما فيش غفلة ومن هنا وجاى الشعب هيكون ماثل فى  قلب الصورة..
(الخميس 10 فبراير مساءا –  قبل خطاب مبارك)


(2)

(3)

     انا اتصور ان الخطاب الثالث للرئيس ده مفعوله مماثل لمفعول الهجمة على المتظاهرين يوم 2 فبراير:  الاستفزاز وبلورة الوعى والتحشد والاستعداد النضالى.. وكأن النظام مدفوع دفعا،  حتى وهوه بيتصور انه بيقدم تنازلات،  لانه يدفع الامور الى هلاكه..
     بمعنى..  كان من الافضل عدم القاء الخطاب اصلا،  طالما جاء بهذه الطريقة او من هذا المنظور،  خاصة مع كل الحشد النفسى اللى سبقه (مش بس اطراف الغرب او تحليلات الكتاب والمعلقين عندنا،وانما امين الحزب الوطنى الجديد حسام بدراوى نفسه قال ان الرئيس هيستجيب لمطالب الشعب قبل الغد،  وان الرئيــــس هيتنحى !!)..
     حتى ولو لم يكن يقصد،  فان الرئيس ونظامه اهانوا الشعب بهذا الخطاب وبهذه الـ"استجابه"..
     ناس كتير قالت قدامى ان الرئيس مش عاوز يطلع من مصر خوفا من المحاسبة او المحاكمة  او.. الخ -  لكن انا وجهة نظرى مغايرة :  لا اتصور ان الرئيس يفكر اطلاقا فى هذه الاشياء،  هو بالتأكيد على يقين من ان كل ما قام به على مدى الـ 30 سنه سليم،  وهوه نفسه قال فى خطاب امبارح ان الاغلبية الساحقة من شعب مصر تعرف مين هوه حسنى مبارك وان القلة فقط هيه اللى بتصدر منها تصرفات تحز فى نفسه.. اتصور فعلا ان الرئيس يعتقد صادقا ومقتنع تماما بان كل اللى حصل بعد 25 يناير من فعل قله وان دوره يحمى البلد وان اللى بيعمله ده كفايه وزياده ومش مطلوب منه اكثر من كده..
     احنا بنغلط برضة نفس الغلطة دى فى تفسير موقف الرئيس،  فى شأن القوات المسلحة.. لاننا عاوزين ندفعها دفعا لانقلاب عسكرى.. وهيه بالتأكيد – واضح لحد الان – تأبى ذلك،  وما بتفكرش فيه (وبالتأكيد ما فكرتش فيه قبل كده) .. برضه زى ما احنا بنفسر موقف مبارك على هوانا،  بنفسر موقف الناس دول (قياده الجيش) على هوانا..
     (انا حتى استغربت لما سمعت امبارح فى الميدان،  من ناس من المتظاهرين اتكلموا فى الميكروفون،  ان الجيش مش هيطلق النار على الشعب،  لان الجيش غير الشرطة،  الجيش ابناؤنا،  الجيش منا.. الخ .  وجه الغرابة فى رأيى هوه : ايه اساس التفرقة بين الجيش والشرطة ..  هل الجيش اولادنا بينما الشــرطة مش كده مثلا ؟!
     اللافت ان فى نفس اليوم -  10 فبراير -  شريط الاخبار فى كل الفضائيات كان بينقل عن صحيفه الجارديان خبر ان الجيش المصرى متورط فى تعذيب المتظاهرين زى ما تم ذكره منسوبا الى هذه الصحيفة  الانجليزية) .

     المشكلة الحقيقية فى مصر  ان فيه وضع ثورى،  ومافيش حزب ثورى.. فيه فعل ثورى،  وما فيش وعى ثورى دقيق بعد.. مازلنا لسه فى طور الـ"حدس"الثورى اذا جاز التعبير،  الحدس اللى ممكن يتقلب ويتذبذب ويثق فى ده شوية وبعدين يسحب ثقته وبعدين يجرب ده شوية او يمشى ورا ده شوية.. لحد ما هتيجى لحظة يتبلور فيها ويتماسك ويحدد اهدافه والخطوات المؤدية اليها .
     (فى الاطار ده ربما كان عناد الرئيس وتمسكه بالسلطة اكبر خدمة تقدمها البورجوازية المصرية للشعب الثائر..
     يوم بعد يوم الناس بتعلى سقف مطالبها -  زى ما كتير حتى من الرجعية بيقول ويعبر وينبه ويحذر -  وده معناه وعى اكبر وتجذير ثورى اكبر..
     الرئيس بفعل موقفه والفئة الحاكمة بفعل ولائها وترددها،  بيختصروا مراحل كان ممكن تاخد وقت اطول لو كان الرئيس مشى من أول يوم أو من مرحله مبكرة عن كده..
     لذلك.. رغم كل الآلام فان الثورة بتواصل تقدمها،  وده أفضل شئ فى الأمر).
(صباح  الجمعة 11 فبراير)